عادل عبد الرحمن البدري

52

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

به ، ولا تحقرن لطفاً تعاهدتهم به وإن قلّ ، فإنّه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك ، وحسن الظنّ بك ، ولا تدع تفقّد لطيف أمورهم اتّكالًا على جسيمها ، فإنّ لليسير من لطفك موضعاً ينتفعون به ، وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه . وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته ، وأفضل عليهم من جِدته « 1 » ، بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف « 2 » أهليهم ، حتّى يكون همّهم همّاً واحداً في جهاد العدوّ ، فإنّ عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك ، وإنّ أفضل قرّة عين الولاة استقامة العدل في البلاد وظهور مودّة الرعيّة . وأنّه لا تظهر مودّتهم إلّا بسلامة صدورهم ، ولا تصحّ نصيحتهم إلّا بحيطتهم على ولاة الأمور ، وقلّة استثقال دولهم ، وترك استبطاء انقطاع مدّتهم فافسح في آمالهم ، وواصل في حسن الثناء عليهم وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم ، فإنّ كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهزّ الشجاع ، وتحرّض الناكل « 3 » إن شاء الله . ثمّ اعرف لكلّ امرئ منهم ما أبلى ، ولا تضمَّن بلاء امرئ إلى غيره ، ولا تقصّرن به دون غاية بلائه ، ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تُعظم من بلائه ما كان صغيراً ، ولا ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيماً . واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك « 4 » من الخطوب ، ويشتبه عليك من الأمور ، فقد قال الله تعالى لقوم أحبّ إرشادهم : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ « 5 » فالردّ إلى الله الأخذ بمحكم كتابه . والردّ إلى الرسول الأخذ بسنّته الجامعة غير المفرّقة . ثمّ اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك ممّن لا تضيق به الأمور ، ولا تمحّكه « 6 » الخصوم ، ولا يتمادى في الزلّة ، ولا يحصر « 7 » من الفيء إلى الحقّ إذا عرفه ، ولا

--> ( 1 ) الجدة : يعني الوجد والسعة . اللسان ( وجد ) . ( 2 ) الخلوف : المتخلّفون من النساء والصبيان . اللسان ( خلف ) . ( 3 ) النكول : الجبن والامتناع . لسان العرب ( نكل ) . ( 4 ) يضلعك : أي يثقلك . اللسان ( ضلع ) . ( 5 ) النساء : 59 . ( 6 ) يقال : رجل محوك : لجوج عسر . أساس البلاغة 369 : 2 ( محك ) . ( 7 ) أي لايضيق ويتبّرم . وأصل الحصر والإحصار المنع . ترتيب الجمهرة 408 : 1 .